الاستراتيجية
عندما يفسح النمو المجال للمرونة: كيف تعيد صدمات الطاقة تشكيل استراتيجية الشركات في سنغافورة، وتنظيمها، واستثماراتها في الذكاء الاصطناعي
أحدث أبحاث EY تُظهر أنه في ظل المخاطر الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة، تتحول الشركات في سنغافورة من نهج التوسع إلى التركيز على الأرباح والكفاءة والمرونة التنظيمية، وأصبحت الذكاء الاصطناعي وعمليات الاندماج والاستحواذ وإعادة هيكلة المواهب أدوات تنافسية جديدة.
عندما يتراجع النمو لصالح المرونة: كيف تعيد صدمات الطاقة تشكيل استراتيجية الشركات في سنغافورة، وتنظيمها، واستثماراتها في الذكاء الاصطناعي
على مدى أكثر من عشر سنوات، دار السؤال المحوري في حوكمة الشركات العالمية غالبًا حول “كيف ننمو بشكل أسرع”؛ أما اليوم، فيبدأ عدد متزايد من الرؤساء التنفيذيين بالإجابة عن سؤال آخر: في بيئة تتسم بمزيد من عدم اليقين، وتكاليف أصعب في التنبؤ، ودورات تقنية أسرع، كيف تحافظ الشركات على ربحية مستدامة؟
تقدم أحدث دراسة للرؤساء التنفيذيين من EY إشارة واضحة: المخاطر الجيوسياسية وصدمات أسعار الطاقة تدفع استراتيجية الشركات من التوسع إلى التركيز على الأرباح والمرونة. وبالنسبة إلى الشركات في سنغافورة، فإن هذا التحول أكثر وضوحًا. فمع أن الرؤساء التنفيذيين المشاركين ما زالوا متفائلين نسبيًا بآفاق النمو المحلي، فإن أولوياتهم الإدارية قد تغيرت — إذ أصبحت المرونة المالية، والكفاءة التشغيلية، ورفع الإنتاجية، وإعادة هيكلة التنظيم بدفع من الذكاء الاصطناعي، من الأولويات الجديدة.
من “المنافسة على الحجم” إلى “المنافسة على المرونة”
إن تغير استراتيجية الشركات لا يحدث عادةً بسبب حدث واحد، بل تتشكل عبر مجموعة من الضغوط طويلة الأمد. وتقلبات أسعار الطاقة هي أحد أكثر هذه المتغيرات نموذجية. فبالنسبة إلى شركات التصنيع، واللوجستيات، والعقارات التجارية، والخدمات المرتبطة بالطاقة، والعمليات العابرة للحدود، لا تُعد الطاقة مجرد بند تكلفة، بل قيدًا أساسيًا على تقلب الأرباح، وتخطيط سلسلة التوريد، وتخصيص رأس المال.
وتُظهر الدراسة أن ما يقرب من نصف الرؤساء التنفيذيين في سنغافورة المشاركين يعتقدون أن الصدمات المستمرة في أسعار الطاقة ستؤدي إلى رياح معاكسة كبيرة على المستويين التشغيلي والمالي، كما أن 46% من العينة العالمية تشاركهم الرأي نفسه. وهذا يعني أن الشركات لم تعد تواجه مجرد ارتفاع دوري في التكاليف، بل حالة من عدم اليقين المنهجي الأصعب إدارة.
في هذا السياق، يضع 88% من الرؤساء التنفيذيين في سنغافورة المشاركين النمو طويل الأجل والربحية فوق التوسع السريع، وهي نسبة أعلى بوضوح من التفكير القديم القائم على “الحجم مقابل الحصة السوقية”. لم تعد الشركات تنظر إلى النمو بوصفه هدفًا استراتيجيًا بحد ذاته، بل تعيد النظر فيه ضمن إطار عائد رأس المال، واستقرار التدفقات النقدية، وقابلية التحكم التشغيلي.
ولا تقتصر هذه التحولات على آسيا. فسواء كانت مجموعات صناعية أوروبية تتعامل مع تكاليف التحول في الطاقة، أو شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى التي تقلص الأصول غير الأساسية تحت ضغط أسعار الفائدة والتنظيم، فإن الرؤساء التنفيذيين حول العالم يعيدون تعريف “النمو عالي الجودة”. والفرق الوحيد هو أن اقتصادات مثل سنغافورة، المتداخلة بعمق في شبكات التجارة العالمية، تشعر بانتقال هذه الضغوط الخارجية بصورة أكثر مباشرة وسرعة.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ميزانية تقنية، بل أصبح جزءًا من بنية الأعمال
من أبرز الإشارات في الدراسة أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي انتقل من كونه شأنًا يخص قسم تقنية المعلومات إلى كونه قضية أعمال مؤسسية. فـ68% من الرؤساء التنفيذيين في سنغافورة المشاركين يخططون لزيادة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في عام 2026، بينما يسعى 59% إلى الحصول على قدرات تقنية أو في الذكاء الاصطناعي عبر الاستحواذ أو التخارج.
وهذا يدل على أن فهم الشركات للذكاء الاصطناعي يشهد تحولًا: فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لخفض التكاليف، ولا مجرد أتمتة للواجهة الأمامية أو الخلفية، بل أصبح قدرة شاملة تؤثر في خلق قيمة العميل، واتخاذ القرار الاستراتيجي، والإدارة المالية، وضبط المخاطر، وعمليات الابتكار.
في الشركات المشاركة في الدراسة، أفاد 45% بأن الذكاء الاصطناعي قد أثّر في خلق قيمة العميل وفي الاستراتيجية.في الشركات التي شملتها المقابلات، أفاد 45% بأن الذكاء الاصطناعي قد أثّر بالفعل في خلق قيمة العملاء وفي الاستراتيجية. وتكمن أهمية هذه النسبة في أنها تُظهر أن الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل في الجزء العلوي من سلسلة قيمة الشركة. في الماضي، كانت الرقمنة غالبًا ما تحسّن كفاءة العمليات أولًا، ثم تؤثر تدريجيًا في نموذج الأعمال؛ أما اليوم، فقد يغيّر الذكاء الاصطناعي مباشرةً كيفية حكم الشركات على السوق، وتوزيع الموارد، وتصميم المنتجات، وكيفية تنظيم علاقة التعاون بين الإنسان والآلة.
لكن توسّع الذكاء الاصطناعي لا يعني أن “كلما زادت التقنية كان ذلك أفضل”. فـ 27% من المشاركين في سنغافورة يرون أن أطر تنظيم الذكاء الاصطناعي تزيد من تعقيد الامتثال والعمليات، بينما أشار 38% إلى أن تفتت التنظيم وتطوّر القواعد يمثلان عقبة أمام التوسع. وبالنسبة إلى الشركات متعددة الجنسيات، فإن هذا التعقيد يستحق اهتمامًا خاصًا. فمتطلبات البيانات والنماذج وحدود المسؤولية والتطبيقات القطاعية لا تتطابق بين الولايات القضائية المختلفة، وإذا سارعت الشركات إلى التوسع قبل نضج إطار الحوكمة، فقد تزيد بذلك المخاطر القانونية والسمعة والتشغيلية بدلًا من تقليلها.
ولهذا السبب، باتت شركات متعددة الجنسيات أكثر فأكثر تدرج حوكمة الذكاء الاصطناعي ضمن أجندة مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية. فالميزة التنافسية الحقيقية لم تعد مجرد “وجود الذكاء الاصطناعي”، بل “القدرة على دمجه في العمليات التنظيمية بطريقة قابلة للحوكمة، وقابلة للتكرار، ومتوافقة مع القوانين”.
إعادة هيكلة المنظمة أهم من شراء التكنولوجيا
غالبًا ما تفشل التحولات التكنولوجية ليس لأن التكنولوجيا نفسها ليست متقدمة بما يكفي، بل لأن المنظمة لا تستطيع استيعابها.
تُظهر دراسة EY أن جميع الرؤساء التنفيذيين المشاركين من سنغافورة يتوقعون أن يغيّر الذكاء الاصطناعي استراتيجية القوى العاملة خلال السنوات الثلاث المقبلة، لكن 18% فقط يتوقعون أن يؤدي الذكاء الاصطناعي مباشرةً إلى تسريح العمالة. وعلى العكس، يتوقع 43% حدوث إعادة تدريب واسعة النطاق ورفع المهارات، بينما يعمل 50% على إعادة تصميم الوظائف لدمج قدرات الإنسان والذكاء الاصطناعي.
هذه النتيجة مهمة. فهي تُظهر أن الشركات لا ترى الذكاء الاصطناعي أساسًا كأداة لاستبدال العمالة، بل كقوة هيكلية تعيد تشكيل طريقة العمل. وبالنسبة إلى الإدارة، فإن التحدي الحقيقي ليس “كيف نقلل عدد الموظفين”، بل “كيف نُعيد تعريف الوظائف والعمليات والمسؤوليات”.
وهذا يفسر أيضًا لماذا أصبح العائق الثقافي متغيرًا حاسمًا. فقد اعتبر 24% من المشاركين في سنغافورة أن المقاومة الثقافية هي العقبة الرئيسية أمام تطبيق الذكاء الاصطناعي، إلى جانب فجوة المهارات وفجوة القيادة. وبعبارة أخرى، فإن عنق الزجاجة في التحول نحو الذكاء الاصطناعي انتقل من القدرة الحاسوبية والنماذج إلى القدرة التنظيمية على التعلم.
مثل هذه المشكلات ليست غريبة على الشركات العالمية. سواء كانت مؤسسة مالية كبرى تطبق إدارة ذكية للمخاطر، أو مجموعة صناعية تنشر الصيانة التنبؤية، فإن ما يحسم النجاح في النهاية ليس شراء الأدوات، بل ما إذا كانت المنظمة مستعدة لتغيير تقييم الأداء، وحدود التعاون، وإيقاع اتخاذ القرار، وتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات.
الاندماج والاستحواذ يتحول من “توسيع الحجم” إلى “تركيب القدرات”
في بيئة عالية عدم اليقين، تتغير أيضًا منطقية الاندماج والاستحواذ. وتُظهر بيانات EY أنه رغم استمرار عدم الاستقرار في البيئة الكلية، فإن الشركات التي تخطط للاندماج والاستحواذ بين المشاركين في سنغافورة، والبالغ نسبتهم 88%، تتوقع أن تستمر شهية الصفقات في الارتفاع خلال الأشهر الـ 12 المقبلة؛ كما أن 70% يواصلون الدفع بالتحالفات الاستراتيجية، و63% يتوقعون تنفيذ عمليات اندماج واستحواذ، و53% يستكشفون مشاريع مشتركة.هذا يشير إلى أن نشاط الصفقات لم يتراجع، بل أصبح أكثر انتقائية. ولم يعد جوهر الصفقات يقتصر على الحصة السوقية أو حجم الإيرادات أو التوسع الجغرافي، بل أصبح يتمحور حول القدرات التقنية، والمواءمة الاستراتيجية، والتآزر طويل الأجل.
وأشار المسؤول المعني في EY-Parthenon إلى أن قرارات الصفقات باتت تُقاد بصورة متزايدة بالقدرات التقنية والتوافق الاستراتيجي. وهذا يختلف عن منطق «الاستحواذ من أجل النمو» خلال العقد الماضي. أما اليوم، فغالبًا ما تسعى الشركات عبر عمليات الاندماج والاستحواذ إلى الحصول على قدرات في الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبرمجيات، والأتمتة، أو التحكم في سلاسل الإمداد، أو الوصول إلى الأسواق الإقليمية.
ومن منظور عالمي، فإن هذا الاتجاه واسع الانتشار للغاية. فلم تعد الشركات الكبرى تسعى إلى التوسع بلا حدود، بل تعمل عبر استحواذات أصغر وأكثر دقة لسد فجوات القدرات. وبالنسبة إلى أسواق رأس المال، فهذا يعني أن معايير تقييم الاندماج والاستحواذ تتغير أيضًا: فإمكانية تحقيق تكامل تقني حقيقي، وقابلية الحوكمة للسيطرة، والتآزر القابل للتحقق، أصبحت أهم من السرديات.
لماذا تُعدّ سنغافورة نموذجًا دالًا
تكتسب تقديرات الرؤساء التنفيذيين في سنغافورة أهمية لا بسبب كون هذا السوق شديد الانفتاح دوليًا فحسب، بل لأنه يختزل الضغوط المتعددة التي تواجهها الشركات عالميًا حاليًا: أسعار الطاقة، وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد، وتطورات التنظيم، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وكفاءة رأس المال.
وفي الاستطلاع، ظلّ لدى المشاركين في سنغافورة مستوى قوي من الثقة في النمو المحلي، إذ بلغ مؤشر الثقة بالنمو المحلي 81.0، وهو ثاني أعلى مستوى عالميًا. وهذا يعني أن الشركات ليست متشائمة، بل إنها تعيد ضبط أساليب النمو: فبدلًا من مجرد توسيع الأسواق، تتجه إلى تعزيز مرونة التنظيم وكفاءة رأس المال.
وفي الوقت نفسه، تظل سنغافورة الوجهة الاستثمارية الأهم للشركات المحلية المشاركة في الاستطلاع، تليها الصين وماليزيا وسويسرا وكوريا الجنوبية. ويُظهر هذا الترتيب أن الشركات ما زالت تؤكد، في توزيعها الإقليمي، على التنويع، لكنها ستكون أكثر حذرًا في اختيار الأسواق القادرة في الوقت نفسه على تلبية متطلبات السوق والتكنولوجيا والحوكمة.
وبالنسبة إلى الشركات متعددة الجنسيات، فإن هذا يعني أن استراتيجية التوزيع العالمي تتطور من «التشتت الواسع» إلى «التركيز على القدرات». فالشركات تولي اهتمامًا أكبر بالمراكز التي يمكنها دعم البحث والتطوير، وتخصيص رأس المال، ومرونة سلاسل الإمداد، وتوفير المواهب، وليس فقط المناطق الأسرع نموًا في المبيعات.
إن المصدر الحقيقي للقدرة التنافسية طويلة الأجل يشهد انتقالًا
ما تعكسه هذه الدراسة ليس تقلبًا مؤقتًا في النشاط، بل انتقالًا في منطق المنافسة لدى الشركات.
في المنطق القديم، كانت الشركات تركز على التوسع في الحجم، واختراق الأسواق، والإنفاق الرأسمالي. أما اليوم، فتعتمد القدرة التنافسية طويلة الأجل بدرجة متزايدة على أربع قدرات:
1. المرونة المالية: هل يمكن الحفاظ على التدفقات النقدية واستقرار الميزانية العمومية عند وقوع الصدمات؟ 2. الكفاءة التشغيلية: هل يمكن الحفاظ على هيكل الأرباح في ظل تقلبات التكاليف؟ 3. القدرة التنظيمية على التعلّم: هل يمكن ترقية الذكاء الاصطناعي، والموهبة، والعمليات بصورة متزامنة؟ 4. القدرة على الحوكمة: هل يمكن الحفاظ على الامتثال والقابلية للسيطرة في ظل تجزؤ التنظيم وتسارع انتشار التكنولوجيا؟
ولهذا السبب لم يعد «النمو» مجرد شعار منفصل، بل أصبح قضية مركبة مرتبطة بالمرونة والحوكمة والقدرات التنظيمية.بالنسبة لإدارة الشركات، فإن السؤال الحقيقي الذي يحتاج إلى إجابة ليس فقط: «كم سيكون النمو في السنة القادمة؟»، بل: عندما تتغير الطاقة والتكنولوجيا والتنظيم في الوقت نفسه، هل تمتلك المؤسسة القدرة على إعادة تخصيص الموارد، وإعادة بناء الوظائف، وإعادة كتابة العمليات، وإعادة تشكيل منطق التعاملات؟
ومن هذا المنطلق، فإن هذا الاستطلاع الذي أجرته EY لا يصف فقط تغيّر مشاعر الرؤساء التنفيذيين، بل يلفت إلى واقع أعمق: فالشركات العالمية تدخل مرحلة جديدة تتمحور حول الانضباط في الأرباح، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وإعادة تصميم التنظيم. والشركات القادرة على التكيّف مع هذه المرحلة هي الأكثر احتمالاً للحفاظ على ميزة طويلة الأمد في الجولة التالية من المنافسة العالمية.
حدود المصادر · corpinsight
تضع corpinsight هذه الملاحظة ضمن الاستراتيجية / الصناعة / الحوكمة (الاستراتيجية / الصناعة / الحوكمة يوضح الزاوية التحريرية المحلية). ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص؛ ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق.